الشيخ الطوسي
320
التبيان في تفسير القرآن
ثم قال آخر : وما شيخوني غير اني ابن غالب * واني من الاثرين عند الزغايف واحدهم زغيف : وهو التابع . وكل موضوع حسن ان يوضع فيه مكان إلا ( لكن ) فاعلم أنه مكان استثناء منقطع . ولو قيل هاهنا ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون لكان صحيحا . والأماني واحدها أمنية مثقل ومن خفف الياء قال ، لان الجمع يكون على غير واحده بنقصان أو زيادة . والأماني كلهم يخففونها لكثرة الاستعمال ، وكذلك الأضاحي . وأولى التأويلات قول ابن عباس ومجاهد : من أن الأميين الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية ، وانهم لا يفقهون من الكتاب الذي انزل إليه على موسى شيئا لكنهم متخرصون الكذب . ويقولون : الباطل . والتمني في الموضوع تخلق الكذب وتخرصه . يقال منه تمنيت إذا افتعلته وتخلقته . ومنه ما روي عن بعض الصحابة أنه قال : ما تعنيت ولا تمنيت أي ما تخرصت الباطل ، ولا تخلقت الكذب والافك ، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية : ( وان هم إلا يظنون ) فبين أنهم يتمنون ما يتمنون من الكذب ظنا لا يقينا ، ولو كان المعنى انهم يتلونه لما كانوا ظانين وكذلك لو كانوا يتمنونه ، لان الذي يتلوه إذا تدبر علمه ، ولا يقال فيمن يقرأ كتابا لم يتدبره ، وتركه انه ظان لما يتلوه إلا أن يكون شاكا فيما يتلوه ولا يدري أحق هو أم باطل ، ولم يكن القوم الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وآله من اليهود شاكين في التوراة انها من عند الله ، وكذلك التمني . لا يجوز ان يقال : هو ظان بتمنيه ، لان التمني من المتمني إذا وجد لا يقال فيه شاك فيما هو عالم به ، لأنه ينافي العلم . والمتمني في حال وجود تمنيه لا يجوز ان يقال هو يظن تمنيه . وقوله : ( وان هم إلا يظنون ) قال جميع المفسرين معناه يشكون . والذي أقوله ان المراد بذلك نفي العلم عنهم ، وقد ينتفي العلم تارة بالشك وتارة بالظن . واما في الحقيقة فالظن غير الشك ، غير أن المعنى متفق عليه هاهنا .